Showing posts with label هوامش علي دفتر منسي. Show all posts
Showing posts with label هوامش علي دفتر منسي. Show all posts

Monday, May 23, 2011

المصريون والمجلس العسكري


        المجلس العسكرى الذى تعهد فى اول ايام الثورة بمشروعية طلبات الثوار , وتقدم للشعب بعدد من البيانات التى تؤكد ان المجلس لم ولن يتصدى للثوار لاقتناعه بمشروعية ما يطلبون , هو نفسه الذى فاجا الجميع بمجموعة من القرارات الفردية من جانبه فقط دون النظر لرغبات وتطلعات الثوار والذين هم فى الواقع جماهير الشعب المصرى على اختلافها وتنوعها, ولم تكن تلك القرارات ابدا وفى جميع مراحلها معبرة عن الحالة الثورية , واتسم اداءه بالبطء الشديد , ومارس الحكم بنفس منطق وصلاحيات النظام القديم , وكثير من الطلبات لم تكن تتحقق الا بالضغط الشعبى والاضرابات والاحتجاجات , وكثير مما كان يتطلع اليه الثوار لم يتحقق , بل المجلس شكل لجنة لصياغة دستور جديد تتم على اساسه عمليات مباشرة الحقوق السياسية من اختيار رئيس جديد على اسس ومعايير جديدة تلبى متطلبات الديمقراطية البرلمانية , وكذلك انتخاب مجلس تشريعى معبر عن الارادة الشعبية , ولم تتم عمليات المحاكمة لرؤوس الفساد الا بعد مظاهرات مليونية حاشدة شهدت الكثير من الشد والجذب بين الشعب والمجلس , تم اصدار بيان دستورى بعد استفتاء على تعديل بعض مواد الدستور القديم بالموافقة على التعديل وكان الاولى الاستفتاء على جملة بنود الاعلان الدستورى والا ماقيمة الاستفتاء , فضلا عن نقل جميع صلاحيات الرئيس فى الدستور القديم الى المجلس العسكرى , ثم صدر قانون احزاب معيب ومخيب للامال حيث لم ينص فيه على عدم قيام الاحزاب على اسس دينية دون الرجوع او مناقشة الراى العام , ثم قانون مباشرة الحقوق السياسية ايضا فى غيبة الراى العام ومتطلباتة , ثم كان قرار تعيين المحافظين بنفس اسلوب النظام السابق باختيار افراد لايحققون الحد الادنى للرضا الشعبى واغلبهم من ضباط الشرطة المتورطين فى قتل وتعذيب المواطنين , وعندما احتج اهل قنا لم تكن هناك مبادرة سريعة للحل تحت شعار هيبة الدولة وهو شعار مضلل وغير حقيقى لان الثورة ما قامت الا من اجل رفض هذا النمط من السلوك المتصادم مع حاجات الجماهير , ونفس المنطق فيما يتعلق بالقيادات الجامعية الفاسدة بحجة سيادة القانون , اى قانون والدستور برمته قد سقط وقد تم التعامل مع الطلبه بكل قسوة وتشدد , ورغم ذلك فان اصرار الجماهير يؤدى فى كل مرة الى تصادم بين الجماهير والمجلس , ورغم اعتراف المجلس بان فلول الحزب الوطنى المنحل تنخر فى استقرار البلد مثل السوس الا انه حتى الان لم يقم بحل الجالس الشعبية المحليةوالتى تتكون فى غالبيتها الكبرى من هذه الفلول الفاسدة , وهى مجالس ليس لها الان اى صلاحيات فى ظل الظروف الراهنه , كما ان قضية الانضباط الامنى لم تتحقق حتى الان نتيجة التخاذل فى محاكمة القيادات الشرطية التى تسببت فى الفرار الامنى وتهريب المساجين وقتل المتظاهرين وهى جرائم كانت تتطلب السرعة فى اجراءات المحاكمة امام محاكم عسكرية نظرا لان جهاز الشرطة بوضعه الحالى هو تنظيم شبه عسكرى ويحمل ضباطه نفس رتب القوات المسلحة , فضلا عن اعادة هيكلة جهاز الشرطة وتغييرة اذا تطلب الامر فمالم يتم انجازه الان لن ينجز قط , كما ان الحوار الوطنى لايعبر عن نيه فى احترام مايتوصل اليه من توصيات , حيث يجرى الحوار فى جانب وتصدر القرارات والمراسيم منفردة من المجلس الغسكرى وحة واغلب تلك المراسيم قاصرة ومحدودة وغير معبرة عما يجب ان تكون عليه الامور , فضلا عن كثافة اشراك قيادات الحزب الوطنى المنحل ممن اسهموا فى فساد الحياة السياسية قبل الثورة واغلبهم من اعمدة تزوير الانتخابات فى جلسات الحوار الوطنى الذى تحول الى مكلمة لن تحقق الهدف منه حيث ان المجلس العسكرى لايستمع الى اراء وتوجهات احد من القوى الشعبية المتطلعة الى التغيير, ميل المجلس فى الحقيقة الى التيارات الاسلامية سواء المتشدده منها او ذات اتجاه الاسلام السياسى بل ان المجلس العسكرى من البداية منحها اكبر من حجمها بكثير , وكذلك معالجة احداث الفتنه الطائفية بشكل سىء ومغلوط فلم تتم محاكمة او محاسبة اى متورط خاصة من جماعات الاسلام السياسى والسلفيين اى تغييب القانون وبما يترتب عليه من انتشار الفوضى وسيادة البلطجة , كما خرج علينا المجلس العسكرى بحملة ترويع وتخويف من ضعف وانهيار الاقتصاد المصرى وافلاسه وعزو ذلك الانهيار والضعف للثورة والاضرابات المطالبة بالحق والحرية وهى دعوباطلة فى معناها ومبناها , لان الضعف كما يعلم الجميع سببه سياسات النهب والسرقة فى النظام السابق وعجز وضعف الوزارة الحالية عن التعامل بجدية واحترافية لمعالجة المشكلات القائمة , وهو امر يمكن القيام به بنجاح اذا تنحت هذه الحكومة الهزيله والمشلولة بفعل تدخل المجلس العسكرى فى شئون الوزارة وتقييد حريتها فى العمل والاختيار, فضلا عن عدم اصدار القوانين المناسبة فى الوقت المناسب , وكذلك اصدار بالون اختبار حول العفو عن الرئيس المخلوع لمعالجة المشكلات الاقتصادية القائمة والتى لن تحل الا بالعفو عنه , مما تسبب فى مزيد من الاحتقان والغضب الشعبى الذى مازالت دماء ابناءة لم تجف بعد من جراء الاستخدام المفرط للقوة من قبل قيادات وراس النظام المنحل , ومازال المجلس مصرا على اجراء الانتخابات البرلمانية والرئسية قبل اصدار دستور جديد ينشا فى ظل برلمان معلوم سلفا طبيعة القوى السياسية الممثلة فيه والتى اغلبها من قوى الاسلام السياسى .

Saturday, May 14, 2011

تطور الانسان والفكر الانسانى



فى ظل النظام الاقطاعى عاشت البشرية عهدا من القسوة والصعوبة والاستبداد نتيجة اغلاق المجتمعات الاقطاعية وتقييد حرية السكان الذين هم اقنان الارض وعدم السماح لهم بمغادرة الارض , ومن يتم القبض عليه يعود مكبلا بالحديد مقهورا حيث غير مسموح لهذه الطبقة بالعمل او العيش خارج حدود الاقطاعية , والتى هى وحدة سياسية واقتصادية شبه  محصورة على القاطنين فيها , فضلا عن ان الاقطاعية وحدة متكاملة منغلقة تماما على سكانها وتعتمد اعتماد كلى على تكريس هيمنة النبلاء والفرسان ورجال الدين على كل نواحى الحياة الاجتماعية والاقتصادية بل والروحية , ومن المعلوم ان المجتمع الاقطاعى مجتمع نظامه الاقتصادى نظام عينى ( غير نقدى ) يعتمد على المبادلات السلعية المباشرة ولذلك لم يكن مسموحا بالغرباء الدخول الى حدود الاقطاعية والعمل فيها اوممارسة اية انشطة من اى نوع , وكانت تنتظم الاقطاعيات الشاسعة تحت لواء الملك الذى تقدم له الاقطاعية قدرا من المال يدفع سنويا نظير بسط ولايته وحمايته على الاقطاعيات المنضوية تحت سيادته .

        وكانت الكنيسة المستفيد الاكبر من هذا النظام حيث كانت تتولى الحصول على عشر ناتج الارض دون اى مجهود او نشاط تبذله هى اكبر المدافعين عن هذا النظام , فضلا عن العوائد التى تحصل عليها نتيجة ادارة اراضى الاديرة واراضى الكنيسة التى كان يعمل بها الاقنان فى اوقات فراغهم تقربا الى الله وانتظارا لملكوت السماوات , كما كان للكنيسة سلطان واسع على الرعايا من ابناء الاقطاعية من اقنان الارض , وكان السادة لايقدمون على عمل الا بعد الحصول على مباركة الكنيسة وموافقتها , كما كانت تروج الكنيسة لمبدأ التفويض الالهى والذى يتضمن : ان الله هو الخالق للدولة وهو الذى يختار الملوك والسادة مباشرة ويؤهلهم للحكم , وبالتالى على الشعوب او المحكمومين السمع والطاعة حيث ان الحاكم يستمد سلطته من الله مباشرة وان من حسن العبادة والايمان الخضوع لاحكام هذا الملك او السيد وعدم الخروج علية والقبول والرضا بسيادته وحكمه , فضلا عن الاعتراف له بحق الطاعة لأن السادة مسئولون امام الله فقط ولا يجوز لأحد مهما كان محاسبتهم , وكان هذا احد الاسباب التى ادت الى طغيان الحكام والسادة وبالتالى قهر المحكومين والاقنان .
        تطورت حياة السادة من النبلاء والفرسان الى مزيد من الترف , كما زادت الخلافات والتناحرات بينهم , مما كان سبباً فى طلبهم مزيدا من الاموال والثروات وذلك بالحصول على الكثير من نصيب اقنان الارض , والذين كانوا يحتفظون بالقدر الضرورى لاستمرار حياتهم من المحاصيل التى ينتجونها بعرقهم وكدهم الخالص والذى لم يكن يساهم فيه السادة باى قدر او تمويل , مما ارهق الاقنان وقلل من قدرتهم على الاستمرار فى هذا الوضع الذى لم يعد يترك لهم القوت الضرورى لاستمرار حياتهم , مما اضطر معه كثير من اقنان الارض للهرب من اقطاعياتهم التى عاشوا فيها فى ذل وحرمان وقهرواستبداد ، ولم يكن لهم ملجأ الا المدن الجديدة والتى يستطيعون فيها الهرب من سلطة حكامهم القدامى وجبروتهم وقسوتهم وسلب كافة ما ينتجونه من الارض .
        ومع تقدم الحياة وتطور المجتمعات نشأت وتكاثرت المدن وخاصة عواصم الممالك والدول ونشوء مجتمعات مختلفة تماما عن تلك السائدة فى المجتمعات الاقطاعية  , ونشأ مايعرف بالدولة بمفهومها الحديث , اى مجموعة السكان الذين يعيشون على ارض واحدة ولهم نظام حكم ثابت ينظم حياتهم السياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها من نواحى الحياة المختلفة , وينظم علاقاتهم الخارجية مع غيرهم من الدول والممالك , وكان اول ما ظهرت فى اوربا وبالذات فى فرنسا فى عصر ملكها لويس الحادى عشر , ثم بعد ذلك فى انجلترا فى عهد الملك هنرى الثامن , وقد استتبع ذلك ظهور انشطة اقتصادية وحرفية منظمة من خلال تجمعات وتنظيمات لم تكن موجودة من قبل , كما بدأت تظهر الى الوجود فئات جديدة كالصناع والتجار ورجال القانون وغيرهم ممن تطلب النمو وطبيعة العيش وجودهم , ثم بدأت العديد من الانشطة الانسانية فى الظهور تباعا والتى كان اهمها الكشوف الجغرافية وما ترتب عليها من استجلاب الكثير من الخامات والسلع والثروات من المناطق المكتشفة وظهور الحاجة الملحة الى تصريف وترويج تلك السلع , حتى يمكن للحياة وفق هذا النشاط من ان تستمر خاصة ان هذه الانشطة قد عملت على زيادة الثروات , فضلا عن تصريف السلع التى كانت تنتجها هذه المدن وضاقت الاسواق المحلية عن استيعابها , وبما ادى فى بعض الاحيان لظهور بطاله محدودة وركود , وهى مشكلات صاحبت نمو المدن وفق نظم اقتصادية لم تكن موجودة من قبل .
        حاول التجار الجدد والذين اصبحوا من كبار اصحاب الثروات الضخمة الترويج لما تحت ايديهم من السلع التى كان ينتجها الحرفيون واصحاب المهن اليدوية من سكان المدن وكذلك السلع الوافدة من المناطق حديثة الاكتشاف فى اسيا وافريقيا وامريكا والتى عرفت بالارض الجديدة , وذلك عبر الاقطاعيات القديمة والتى كانت تقاوم ذلك بشدة خوفا من تسرب الثروات خارج حدود الاقطاعيات والتى كانت تحيا حياة الاكتفاء من الغلات والنواتج الزراعية المختلفة من ناحية , ومن ناحية اخرى الحيلوله دون هروب المزيد من اقنان الارض , والذين كان من اسباب هروبهم ضعف هذه الاقطاعيات وتدهور الحياة الاقتصادية وتداعيها فيها , كما حاول هؤلاء التجار الترويج لانشطتهم فى الانتقال والتجارة عبر تلك الاقطاعيات , وبما يضمن لهم كسب مزيداً من المنفعة والربح والازدهار وتبادل المنافع مع منتجات تلك الاقطاعيات والتى تقاوم ذلك بقدر ما تسطيع للمحافظة على حقوق السادة ومكتسباتهم , ومن هنا نشأت الدعوة المعروفة تاريخيا ب: دعه يعمل ..دعه يمر  , وذلك ايذانا ببزوغ نشاط اقتصادى اكثر تطورا واكثر قدرة على التعامل مع المعطيات التى انتجها ما اسفرت عنه الكشوف الجغرافية ونمو واتساع المدن واشتمالها على انماط من الانشطة الاقتصادية المستحدثه , وبما ادى بعد ذلك الى ضعف وهدم واضمحلال النظام الاقطاعى برمته , ومهد لظهور, الطبقات البرجوازية .

        وبالتزامن مع نشأة وتطور المدن والكشوف الجغرافية واتساع حركة التجارة مع العوالم التى لم يكن الوصول اليها سهلاً من قبل . حدثت ثانى اهم ثورة فى تاريخ البشرية وهى الثورة الصناعية والتى اسهمت اسهاماً غير محدود فى تغيير وتطوير الفنون الانتاجية السائدة ( التكنولوجيا ) وما ترتب عليه من سيادة  انماط جديدة للانتاج تعتمد على استخدام الالات الميكانيكية و تجميع القوى الانتاجية وتركيزها فى ما اصبح يعرف بالمصنع وما ترتب عليه من التخصص و تقسيم العمل وظهور هذا المصطلح الهام لاول مرة فى التاريخ البشرى وتطور وتغيير القوانين الحاكمة من : الاستسلام مقابل السكن والطعام فى النظام العبودى او الرق ثم: الولاء مقابل الامن فى النظام الاقطاعى , ثم اصبح هذا القانون ولاول مرة فى تاريخ الانسان : قوة العمل فى مقابل الاجر , ولاول مرة ايضا تصبح القوة الجسدية والجهد الانسانى سلعة كاى سلعة لها ثمن تباع وتؤجروتشترى .

 كما ظهر فى هذا الوقت مصطلح جديد لم يكن معروفا من قبل وهو مصطلح البرجوازية او ان يسمى الشخص برجوازى وهى تعنى فى الاساس ساكن المدينة من التجار واصحاب الرأسمال والموظفين الرسميين حيث يتكون اللفظ برجوازى من مقطعين : برج اى مدينة فى اللغة اللاتينية و: وازى اى ساكن وبهذا يكون معنى الكلمة اصطلاحيا ساكن الدينة ولكنه من حيث المعنى الاجرائى : ان البرجوازى ليس كل سكان المدن ولكن ذلك الشخص المنتمى الى الطبقة المتميزة من سكان المدن الذين يمتلكون المال او المقدرة على تنظيم الاعمال والانشطة الاقتصادية او الفكرية دون ان يمارس اى منهم عملا يدويا او بدنيا وهم من عرفوا فيما بعد بذوى الياقات البيضاء من التجار والحكام والمنظمين والمفكرين ومن يماثلونهم من غير العمال او الفلاحين , مثل المعلمون والمحامون والكتاب والمفكرون والمحاسبون والاطباء وغيرهم ممن يعملون فى قطاع الخدمات العامة .
        فى هذا المناخ المتسم بالتغيرات السريعة وعدم الاستقرار فى البناءات الاجتماعية والوظائف الاجتماعية والاقتصادية , والتغير السريع فى القيم الاجتماعية والاقتصادية وتغير فى البناءات القيمية للافراد والمجتمع , ظهر العديد من المفكرين والعلماء والمصلحين من النابهين من ابناء المدن , والذين حاولوا تفسير التغير الاجتماعى والاقتصادى ودراسة اسبابه ودوافعة , وطرائق التعامل مع تلك التغيرات وفهمها ومحاولة السيطرة عليها بما يضمن استقرار الاوضاع وتحسين ظروف الحياة ,  والذين كان لجهودهم الفكرية الرائعة اكبر الاثر فى تغيير نظرة افراد المجتمع للحياة والنظام العام ونظم الحكم , والتى كان من نتيجتها تنوير المجتمعات وتسهيل كسبها للتطورات الجديدة فى المجتمع من شيوع التخصص وتقسيم العمل وسيادة الافكار الثورية بمفهوم ذلك العصر, وبما يعنى نزع القداسة عن كثير من الافكار والاشخاص والمواقع التى سادت قبل تلك المرحلة والتى من بينها الاصلاح الكنسى ونشوء مذاهب دينية جديدة بشرت بمنح الانسان مزيدا من الحرية والعقلانية , وكذلك نشأة العلوم التجريبية بالمفهوم الحديث القائم على التجربة والتحليل والمقرنة وفق قواعد العلم الحديث المعروفة الان وبالتالى سقوط الخرافة والابتذال .

        عرف هذه الحقبة التاريخية بعصر النهضة والذى اتسم بكثير من الافكار الثورية التى تدعوا الى الاصلاح فى جميع نواحى الحياة الفكرية والدينية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية , وتقدير واحترام اصحاب المواهب والافكار المتميزة والعلماءوالمخترعين من ابناء هذا العصر , فكما كان التمرد البروتوستانتى على هيمنه وفكر الكنيسة الكاثوليكية هو اول دعوة لالغاء المقدس وبالتالى تمكين الانسان من التحرر من الخوف والخرافة , وسيادة النظرة العقلانية الى الكون والبشر والحقائق والظواهر والاحداث , ثم حاول هذا الفكر الجديد تحرير الانسان واعلاء قيمته , والدفع به نحو افاق المشاركة وممارسة الديمقراطية .
        وكان من اهم افرازات هذه المرحلة ظهر فكرة العقد الاجتماعى لتحل محل التفويض الالهى , ومجمل نظرية العقد الاجتماعى : ان الدولة (ارض او اقليم وسكان اى بشر وسلطة تنظم وتحكم هذا الكيان ) وهى هنا تمثل السلطه ترجع وتعود الى الارادة المشتركة لافراد الجماعة الذين اجتمعوا واتفقوا على ايجاد مجتمع سياسى يخضع لسلطة عليا , وبما يعنى ان الدولة فى الاصل قد وجدت بناء على عقد اتفقت علية وصاغته الجماعه السكانية من ابناء هذا الاقليم , وقد تصدى ثلاثه من كبار مثقفى ذلك العصر ومفكرية وفقهاءه على شرح وتفسير ذلك العقد على النحو التالى :
        هوبــــز:  يرى هذا المفكر الانجليزى ان الانسان كان يعيش قبل ظهور الدولة فى حالة فوضى مبعثها الشر المتأصل فى نفوس البشر , وكانت الغلبة للأقوياء والحق يتبع القوة , وبمواجهه هذه الحالة من الفوضى والعشوائية البدائية والتماسا للامن والاستقرار فقد بحث الناس عن وسيلة لحمايتهم , وكانت هذه الوسيلة هى اتفاقهم على اختيار شخص من بينهم يكون هو الرئيس عليهم ويتولى نظير ذلك رعاية مصالحهم وحمايتها .  ويرى هوبز ان الحاكم لايكون طرفا فى العقد , وانما يعقد هذا العقد كل الناس والسكان الاهو , ويتنازل الناس طواعية بموجب هذا العقد عن جميع حقوقهم طواعية بدون قيد او شرط , وبما يعنى ان سلطته مطلقة ولا يجوز مساءلته عما يفعل اى ان سلطته مطلقة .

        جون لوك : وكان هذا المفكر ذو رؤيه اكثر تطورا وتقدمية من ( هوبز )  حيث انه كان يرى ان الانسان والجماعة البشرية لم يكونوا يعيشون فى فوضى , وانما كانوا يتمتعون بحريتهم فى ظل القانون الطبيعى ( غير المكتوب ) ولكن هذا القانون كان غامضا وليس له تفسير محدد ولكنهم كانوا متشابكى المصالح المتعارضة فى بعض الاحيان , ولذلك قرروا ان يتركوا هذه الحرية المطلقة الى نوع من النظام يكفل لهم التعاون فيما بينهم , على ان يخضعوا لسلطان عادل عن طريق اختيارهم الحر ليتولى احدهم بالتالى القيام بامورهم , والافراد وفق نظرية هذا الفقيه لا يتنازلون عن كل حقوقهم للحاكم , ولكن يحتفظون بالحريات والحقوق الاساسية لهم , كما ان الحاكم هو طرف فى العقد , ولذلك يجوز لهم عزله اذا اخل بشروط العقد الى اتفقوا عليه .

        جان جاك روسو : يرى هذا الفيلسوف ان الانسان كان يعيش قبل نشأة الدولة فى حرية كاملة , ولكن تعارض المصالح والميول والنزعات الشريرة لدى هؤلاء الناس , فقد اضطرت الافراد الى البحث عن عن نظام سياسى  يكفل لهم الامن ويحقق العدالة , فتعاقدوا على انشاء مجتمع سياسى يخضع لسلطة عليا , ويعتبر هذا العقد فى حد ذاته اساس نشأة الدولة وسند السلطة معاً, واساس العقد عند هذا المفكر ان الافراد تنازلوا عن حرياتهم الطبيعية للجماعة , مقابل الحصول على حريات مدنية جديدة يكفلها المجتمع على اساس المساواه , وان العقد تتولد عنه اراده عامة هى ارادة الجماعة اى ان الافراد يتنازلون عن حقوقهم للجماعة وليس لشخص الحاكم , وان الارادة العامه للجماعة مستقلة عن ارادة كل فرد على حدة , وهى مظهر لسيادة المجتمع وتعبير عن هذه السيادة , ولايجوز التنازل عن هذه السيادة , اما الحاكم هنا فهو ليس طرفا فى العقد , ولكنه وكيل عن الامه والجماعة وفقا لارادتها وللامه حق عزله متى ارادت ذلك , وهذه النظرية وفق هذا الطرح هى اقرب مايكون لروح الديمقراطية الحقيقية حيث اماطت بالامة حقوق السيادة وانها مصدر السلطات .
        

 د. عــــــوض مطواح
  
         

Thursday, May 5, 2011

وفى كل الاحوال يبقى الانسان




ظهرت لأول مرة فى التاريخ البشرى الملكية الفردية للارض المستندة على القوة والقهر , والتى ظهر فى مقابلها العبودية والرق والتبعية , وتحرر بموجب هذه القاعدة القانون المعروف باسم ( الاستسلام مقابل الطعام والمأوى ) , وقد شهد ذلك العصر اكبرصور القهر والاستغلال لقوة الانسان وقدرته على العمل الشاق لصالح المالك المستغل والذى لايسمح بالمساس بحقوقه التى حصل عليها بالخديعة تارة والمكر تارة اخرى .      

اصبح الانسان الذى كان حرا عبداً ورقيقا , واصبح اولاده يكتسبون هذه السمات بمجرد الميلاد , كما اصبح السادة يرثون السيادة عن ابائهم , وزاد الجشع والرغبة فى التوسع ونشأت الحروب التى كانت تهدف للسيادة والهيمنه وتحول المهزومون الى عبيد وارقاء , مما سهل من سيادة النمط العبودى واتساعه بحيث شمل القبائل والمجتمعات المهزومة ، وتركز اعداد السادة وزادت قوتهم نتيجة ماحصلوا عليه من ثروات نتيجة الغزو من ناحيه , ومن ثمار جهود الارقاء التى كانت بكاملها من نصيب السادة من ناحية اخرى , وتشكل البناء الاجتماعى وفق هذه القواعد , واصبح للسادة وحدهم حق الحكم والقيادة المدنية وقيادة الجيوش التى كانت تشكل من ابناء السادة ومن فى مستواهم , فحتى المقاتلون كانوا من السادة واولادهم والذين عرفوا بالنبلاء , وظهرت فى هذه المرحلة من مراحل النمو الاجتماعى للبشرية بعض نظم الحكم ، والتاريخ يذكر لنا بلاد اليونان على وجه الخصوص حيث ترك لنا القدماء الكثير من الوثائق التاريخية المكتوبة التى مكنتنا من الدراسة والتوثيق .

كما ظهر هذا النمط وساد ايضاً فى روما القديمة والتى ورثت مجد اليونان بعد هزيمتهم والقضاء على حضارتهم , وتجدر الاشارة الى انه فى هذه المرحلة سواء فى بلاد اليونان او روما القديمة ظهرت اول اشكال الحكم فى صورة مجالس تمارس الحكم من خلال ما عرف تاريخيا بالديمقراطية المباشرة , وهى تعنى مشاركة جميع المواطنين فى تلك المجالس ومناقشة كل ما يتعلق بنظم الادارة والحرب وتنظيم ميزانية الدولة , وقد يتصور البعض ان هذا هو افضل اشكال الممارسة السياسية , ولكن يرد على ذلك بان المقصود بالمواطن وفق هذا النظام هم مجموعة السادة من النبلاء والحكام فقط , حيث لايعد العبيد او الرقيق من المواطنين الذين لهم حق المشاركة فى الحكم , وقد عرف هذا النظام من الحكم بالاوليجاركية اى حكم الاقلية من الصفوة وارباب الملكية والنفوذ , وقد ظهر اول اشكال الحكم فى اثينا واسبرطة من اكبر مقاطعات اليونان فى ذلك الوقت حتى انها تسمى بالديمقراطية الاثينية , وكانت تسمى تلك المجالس الاثينية باسم البول   Boul وكانت القاعات التى يجتمع فيها هذا المجلس تعرف باسم البولتريون  Bouleuterion  .

اما فى روما القديمة فكان يعرف مجلس الحكم بمجلس السانتا وكان ليسمح بالمشاركه فيه الا السادة الاحرار المسموح لهم بذلك وهى كما سبق سلطة تتراوح بين الديكتاتورية اى حكم الفرد الاوحد عندما يكون الحاكم من ذوى القوة والجبروت , او الاوليجاركية اى حكم القلة المتحكمة فى السيادة والثروة والقوة ، والمواطن فى روما هو الحر من السادة والنبلاء وهؤلاء وحدهم الذين لهم الحق ليس فقط فى المشاركة فى الحكم ، ولكن السكن والعيش فى مدينة روما , وعلى العبيد والغرباء ان يسكنوا خارج المدينة ولايسمح لهم بالبقاء فى روما بعد وقت المغرب وهم بالطبع الموصوفون ب : الاملاك او من ليسوا باهل روما وكان يطلق عليهم لفظ بروليتاريا , وهو اللفظ الذى استخدم فيما بعد للتعبير عن الطبقة العاملة والتى لم يكن اى منها يملك وسائل الانتاج , وقد صاحب ذلك العصر العديد من الثورات التىكان يقوم بها العبيد فى سبيل حريتهم ولكن دائما ماكان السادة المدربون على الحرب والقتال مايتصدون بالهزيمة والقهر , ويذكر لنا التاريخ عدد من الثورات المشهوره والتى كان من ابرزها ثورة ايطاليا والتى بدأت بتجميع العبيد فى صقلية عندما علموا ان السادة فى حروبهم احتاجوا بشدة للرجال ليصدوا بهم غارات السمبرييين فلما لم يجدوا اصدروا قرارا بتحرير كل من اصبحوا ارقاء لعجزهم عن سداد الضرائب المفروضه عليهم , فوعدهم اسيادهم بالحرية ان هم ساعدوهم فى صد الغزو فاستمات العبيد فى حرب الاعداء وهزموهم ولكن سادتهم اخلفوا وعودهم فثار العبيد مرة اخرى واستمروا فى اثارة القلاقل سنوات كثيرة حتى خمدت الثورة ومات قادتها واعتصر الفقر والجوع اغلب العبيد فهدأت الثورة التى تعد الثورة الثانية بعد الثورة الزراعية الاولى فى المدة من 145 ـ 78 ق. م , وهى الحرب التى قامت بين العبيد وبين سادتهم الفاتحين عندما زادت ثرواتهم نتيجة النهب والسلب والغزو وبالتالى اتساع املاكهم وحاجتهم لمزيد من العبيد للعمل فى تلك المزارع بالسخرة والاسترقاء اىتحويل الاحرار الى رقيق للعمل فى الارض  .

ومن الثورات الشهيره فى هذا المجال هى ثورة العبيد بقيادة اسبارتاكوس فى خلال الفترة من عامى 80ـ72 ق . م  حيث بدأت الثورة بهروب عدد من العبيد المصارعين والذين كانوا يصارعون الحيوانات المتوحشة فى الحفلات والمناسبات وكانت غالباً ما تنتهى حياة الفرد منهم بالموت والقتل فى تلك المسابقات الوحشية , وحاول مائتان منهم الهرب الى الجبال واخذوا يغيرون على المدن المجاورة طلباً للطعام , واختاروا لهم قائدا من اهل تراكية يدعى سبارتاكوس الذى وجه نداء لجميع الارقاء فى ايطاليا , فانضم اليه جميع المتعطشين للحرية , واستطاعوا بفضل حسن التنظيم ان يتغلبوا على جميع القوى التى سيرت للقضاء عليهم , ورغم ان روح القائد كانت نبيلة الا ان المقاتلون من الارقاء تمردوا على قائدهم بعد ان حاول تنظيم مسلكهم بعدم مهاجمة الامنين وسلبهم حيث تحول هؤلاء الثوار الى قطاع طرق ومتمردين , وكان من نتيجة هذا التمرد الانشقاق عن القائد وبروز قواد اخرين اقل شجاعة وبسالة مما يسرفى النهاية القضاء عليهم , مع انهم كانو فى الحقيقة اصحاب قضية وطلاب تحرير , وقد استطاعوا فعلاً تخويف جميع السادة الذين كانوا ينعمون بجهد وناتج عمل هؤلاء الارقاء .

وما يعنينا فى هذا السرد الموجز هو بيان ان هذه الثورات لم تذهب نتائجها سدى بل ايقظت وعى الارقاء بعدالة قضيتهم واحقيتهم فى ينالو النصيب العادل من عائد انتاجهم وان فى مستوى انسانى من تلك المستويات المتدنية التى كانو يعيشونها , كما كان لتطور المجتمعات , وظهور الاقطاعات الشاسعة من الارض والتى تخضع لحكم واحد من السادة الاقوياء , وكذلك التطورات الفكرية والفلسفية وظهور طبقة متميزة من الاصلاحيين والفلاسفة قد مهدت لوجود شكل جديد من اشكال البناءات الاجتماعية الجديدة بشكل لم يكن سائدا من قبل له من السمات مايميزه عن غيره من الابنية الاجتماعية ونظم الحكم السابقه عليه , وهو ما عرف تاريخيا بالنظام الاقطاعى , وهو نمط تحرر فيه الارقاء نسبياً عما كانوا عليه من قبل ونشأت بنهم بين السيد الاقطاعى علاقة جديدة تمثلت فى ( الامن مقابل الولاء ) ولكن بمرور الزمن تحول هؤلاء الى ارقاء الارض او اقنان الارض والذى كان عليهم الخضوع الكامل للسيد صاحب الاقطاعية والذى يتمتع بسلطات توازى سلطات الملك , كما كان لكل اقطاعيه جيشها المكون من السادة النبلاء , والذين كان لهم وحدهم الحق فى الحصول على القاب الفرسان ,حيث انهم من السادة وليسوا من العبيد , وكان لظهور المسيحيه كديانة معتبره ان اصبح رجال الدين طبقة مميزة من سادة المجتمع , حيث كان السلطان الابوى على جميع السكان وهم وحدهم وفق الشريعة المسيحية الذين لهم حق تفسير النصوص , بل وحصلوا على كل القاب المهابة والتقديس , فضلا عما يتمتعون به من سلطة روحية على جميع الرعايا ( الشعب ) , كما ان نصيبا ضخما من عائدات الاقطاعية .

والاقطاعية كوحدة اقتصادية تعيش على قاعدة الاكتفاء الذاتى الذى يكفل لها ولمثلها الاستقلال الكامل فى ادارة جميع شئونها ، بعد دفع مبلغ سنوى معين للملك فى عاصمة اللاد نظير فرض رعايته الاسمية على تلك الاقطاعيات , وهى بالطبع نظم مقفولة ولا يجوز لغير اهلها العيش فيها او العمل او ممارسة اية حرفة او مهنه , ولم يكن هناك اى شكل من اشكال الحكومات او النظم السياسية داخل الاقطاعية , فلا مجلس شيوخ ولامجلس حكم او سواه فقط السيد المالك والنبلاء ورجال الين واقنان الارض , وتعتمد العلاقات التبادلية فيما يتعلق بالسلع على نظام المقايضة داخل حدود الاقطاعيه  ولم يكن لاى اقطاعية نقودها الخاصة بها حيث تتركز الثروة فى يد السيد المالك والنبلاء , بينما اقنان الارض لهم المأوى والطعام فقط نظير الامن الذى يفترض ان يضمنه لهم النظام مقابل اخلاصهم وولاءهم للسيد المالك , والكنيسة تمنحهم الغفران وتأمرهم بالطاعة وتحرم عليهم الخروج على ما تعارفو عليه من القواعد التى تكرس العبودية والقنانه , وذلك نظير ملكوت السماء الذى لايتاح الا للطائعين لسادتهم فى الاقطاعية والقانعين بما هم عليه والصابرين على الاذى فى حياتهم الدنيا .


Tuesday, May 3, 2011

عمال مصر وواقعهم البائس



فى الوقت الذى يحتفل فيه جميع عمال العالم بعيد العمال وماحققته الحركة العمالية عبر تاريخها الطويل من مكاسب فى مقابل ا رباب العمل ، نجد ان العمال المصريين يجترون الامهم واحزانهم على ما فقدوه من حقوق وامتيازات عبرنضالهم الطويل ، وذلك بسبب خيانه القيادات النقابية المزيفة والتى استطاعت عبر سنوات طويلة من حكم النظام السبق ان تسرق هذه المكتسبات ، وان تتآمر مع نظام الحكم السابق باختزال هذه المكاسب والالتفاف عليها بالحيلة ووالمماطلة نظير مكاسب شخصية ، وفى كثير من الاحيان بدون ثمن فيما عدى التمتع بمراكز قيادية فى البناء العمالى غير الديمقراطى والتى تسيطر عليه قيادات منذ ما يزيد على اربعين عام من عمر الاتحاد العام للعمال ، والذى كان يعين فى الغالب وزير القوى العاملة من بين قياداته الورقية من العناصر التى يسهل السيطرة عليها ، وكذلك وكيل مجلس الشعب عن العمال ، ورئيس لجنة العمل بمجلس الشعب ، فمن اجل هذه المناصب تم بيع القضايا العمالية والحقوق العمالية واصبح اتحاد العمال ممثلا لاصحاب الاعمال ومدافع شرس عن مصالحهم وليذهب العمال الى الجحيم.

        استطاع العمال المصريون بعد نضال مرير ولسنوات طويلة تحقيق العديد من المكاسب والتى حفظتها لهم القوانين المنظمة للعمل فى مصر، وكان من بينها تحديد ساعات العمل واحقية العامل فى الاجازات السنوية والمرضية بأجر كامل ، وضمان الحد الادنى للاجور والمكافآت والحوافز, والتامين الصحى , والتأمينات الاجتماعية , والمشاركة فى عضوية مجالس الادرات بالشركات والهيئات التى يعملون بها , والمشاركة فى الارباح السنوية , واحقية تكوين نقابه عمالية فى اى شركة او هيئه يزيد عدد العاملين بها عن خمسين عاملا , وكثير من المكاسب التى ضمنها لهم القانون 48 لسنة 1974 الخاص بالعاملين فى شركات القطاع العام والذى تحول فيما بعد الى قطاع الاعمال العام قبل تصفيته وبيعه بأبخس الاسعار للمحاسيب والاقارب من المغامرين واللصوص وناهبى اموال الشعب فى صفقات مريبة ومعيبة فى آن واحد , وكذلك القانون 139 فى شأن عقد العمل الفردى والذى ضمن الحقوق العمالية وضمن فى الوقت ذاتة حق التقاضى امام المحاكم العمالية التابعة للقضاء المصرى العادى ، وكان القانون هو الفيصل فى اى خلاف ينشأ بين العمال وارباب الاعمال وبما يحافظ على حقوق جميع الاطراف , وكان ارباب الاعمال على علم ورضى وموافقة على تلك القوانين , وكانت مكاتب العمل مسئولة عن متابعة تطبيق تلك القوانين واحالة المخالفات للقضاء المصرى للفصل فيها وذلك حفاظا وضمانا لحقوق جميع الاطراف , وكانت مكاتب العمل بالاحياء والمديريات هى الرقيب على حسن تطبيق القانون واحترامه من قبل الجميع سواء اصحاب الاعمال او العاملين , كما كان لايجوز فصل العامل إلا وفق القواعد التى نظمها القانون وبما يحفظ للعاملين جميع حقوقهم المشروعة .

        ثم ظهرت اتجاهات حديثة لتعديل قوانين العمل وفقا لمصلحة ارباب الاعمال دون سواهم وذلك عندما تولى الكثير منهم مواقع وزارية فى الوزارات السابقة , فلم يكن يكفى ابداً تصفية شركات القطاع العام ( قطاع الاعمال العام ) والقضاء على الطاقات المنتجة فى المجتمع بدعوى الانخراط فى الاقتصاد العالمى وفق اتفاقيات الجات للتجارة الحرة , وهى دعوة باطلة فى اساسها لأن الانخراط فى الاقتصاد العالمى يتطلب توافر الكفاءة والجدارة الاقتصادية التى تخول للاقتصديات المحلية المشاركة فى السوق العالمى و حتى تكون هناك منافسة حقيقية وتبادل حقيقى للمنافع والمصالح .

 وحتى يفتح الباب على مصراعيه للاستيراد ولصالح حفنه من المتسلقين والطفيليين تم القضاء على الطاقات الانتاجية فى المجتمع , وتحول المجتمع للاستيراد على حساب المنتج المحلى , وعلى حساب الاقتصاد الوطنى , وعلى حساب الطبقة العاملة المصرية ، وسوق العمل المصرى الذى اصبحت فرص التوظيف فيه محدودة بل وشحيحة وشبه منعدمة , وحيث تم القضاء على اعداد كبيرة من العاملين عن طريق نظام المعاش المبكر والذى احال اعداد كبيرة من العمال المهره الى المعاش المبكر وهم على اعلى مستوى من الخبرة والكفاءه لينضموا بذلك لقوى البطالة والعاطلين عن العمل , ولمجاملة ارباب العمل الجدد من المغامرين والمتطفلين ولمصلحتهم دون سواهم قامت حكومة رجال الاعمال بالغاء قوانين العمل السائدة واصدار قانون العمل الموحد رقم 12لسنة 2003 لتصفية جميع الحقوق العمالية المكتسبة عبر ما مضى من زمن كافحت فيه هذه الطبقة من اجل اكتساب تلك الحقوق .

 وقد صيغ هذا القانون ليسمح بكل بساطة من فرض سلطة وجبروت ارباب الاعمال دون اى ضمان لاستقرار العمال او ضمان حقوقهم , واعطى هذا القانون لارباب العمل حق فصل العامل بدون اية حقوق ، كما كف يد مكاتب العمل عن المتابعة والتفتيش على منظمات الاعمال , واصبحت عقود العمل لاقيمة لها بحجة تشجيع الاستثمار , وبلغ من الطغيان على حقوق العمال ان اصبحت المحاكم العمالية لا تتبع القضاء العادى ، بل هى محاكم ذات تشكيل خاص يستحيل معه تشكيلها , ولم تنعقد محكمة واحدة طوال المدة المنقضية من عمر القانون فى اى مكان داخل الجمهورية منذ بدأ العمل بهذا القانون , بل ان كثيرا من المنظمات والوزارات والهيئات الحكومية لجأت لتطبيق هذا القانون الظالم والذى يتيح لتلك المنظمات التلاعب بالعاملين بالمخالفة للقانون 47 لسنة 74 فى شأن العاملين المدنيين بالدولة , ومعنى هذا ان الدولة المصرية المسئولة عن حقوق الافراد والعاملين اصبحت هى اول من يخالف القانون واول العاملين على القضاء على الحقوق الطبيعية والمكتسبة بالمخالفة للدستور والقانون الذى تحول الى اداه للقهرفى يد من بيدهم حفظ الحقوق والمحافظة عليها .
        ولقد بلغ الاستهتار بحقوق العمالة المصرية ان تم اختراع انماط جديده وغير مسبوقة من منظمات التوظيف , بالمخالفة لاى قاعدة او قانون وذلك للتلاعب بالقوى العاملة اى كان تخصصها وتأهيلها وكفاءتها ، فقد تم انشاء منظمات  او شركات توظيف تعرف باسمCompanies  Out Sources   وهى شركات يتركز نشاطها فى الاتجار بالقوى البشرية المؤهلة والمدربة  , والتى تقوم هذه الشركات بتوريدها للبنوك والشركات والمنظمات كسمسار او مقاول انفار , دون ادنى مسئولية على تلك الجهات المستفيده من جهود وخبرات هؤلاء العاملين ، حيث يتقاضون مرتباتهم المجردة من تلك الشركات الموردة للعمالة تحت ضغط ندرة الوظائف وبالمخلفة حتى للقانون 12 لسنة 2003 سىء السمعة , لهذا الحد بلغ الاستهتار بالقوى العملة المصرية , وبذا قد تحولت القوى البشرية فى مصر الى مجرد اقنان جدد فى سوق العمل المصرى , فى ظل ارباب اعمال لايبحثون الاعلى الربح الخالص دون الاعتبار الى اية قواعد او اسس ادارية او انسانية .

        كل ذلك قد تم بمباركة وموافقة اتحاد عمال مصر المفترض فيه انه المعبر عن مصالح الطبقة العامله المصرية والمحافظ والمدافع عن حقوقها والمتحدث باسمها , وذلك وفق الاتفاقيات الدولية وتعليمات الاتحاد العلمى للعمال ، والذى يعد الاتحاد المصرى احد اعضاءه ولكن اعضاء الاتحاد الذين وصلوا الى قيادته بمباركة واختيار مباحث امن الدولة بعيدا عن الانتخابات الحرة , والذين حولوا الاتحاد المفترض فيه انه منظمة مدنية حرة الى منظمة حكومية رسمية , والذين تركوا مواقعهم فى حقول العمل الميدانى فى المصانع وتفرغوا للعمل النقابى الشكلى منذ ما يزيد عن اربعين سنه , وتفرغوا تماما لهذا العمل مع الحصول على كافة الامتيازات والرواتب من الدولة , مع ان المفترض ان العمل النقابى عمل تطوعى واذا حصل احدهم على اجر نظير عمل حقيقى فيجب ان يتم ذلك من ميزانية الاتحاد الممول من اشتراكات العاملين ، وقد آن الآوان ان يعاد بناء المنظمات النقابية العمالية على اسس موضوعية وفق رغبات وحاجات جماهير عمال مصر , وان يتم بناء كافة المستويات النقابية عن طريق الانتخاب الحرو المباشر والذى تشارك فيه جميع القوى العاملة والتى هى الاساس التنظيمى لتكوينة , والمستفيدة من انشطته ونضاله فى سبيل اعادة الحقوق العمالية , وبما يضمن نمو هذا القطاع وتطويره ليواكب الحاجات المستجدة والحقيقيه لجماهير عمال مصر .
        
د/ عوض مطواح